⭕ مقالة ظهرية الجمعة
الكاتب: جاك دورسي -مؤسس تويتر وشركته الحالية Block-
بعنوان: «من الهرم إلى الذكاء»
مقاله مهمة لأنها لا تتحدث عن AI كأداة إنتاجية فقط ولا كيف نجعل كل موظف أسرع؟
بل السؤال الأكبر: هل سيغيّر الذكاء الاصطناعي شكل الشركة نفسها؟
وقبل نبدأ بالمقالة: مهم نعرف أنه قبل نشر المقال أعلنت Block في فبراير 2026 خفض عدد موظفيها من أكثر من 10 آلاف إلى أقل من 6 آلاف، وربط جاك دورسي إعادة الهيكلة باعتقاده أن فريقًا أصغر يستخدم «أدوات الذكاء» يستطيع إنجاز عمل أكثر. لذلك يمكن قراءة المقال أيضًا بوصفه تبريرًا استراتيجيًا لإعادة تصميم الشركة، لا مجرد تأمل محايد في مستقبل الإدارة.
⭕ لفهم فكرة جاك دورسي، نرجع للتاريخ.
قبل نحو ألفي عام، واجه الجيش الروماني سؤالًا يشبه ما تواجهه المؤسسات الكبيرة اليوم:
كيف تنسّق آلاف الأشخاص عبر مسافات واسعة واتصال محدود؟
كان الحل هرمًا متداخلًا: وحدات صغيرة داخل وحدات أكبر، وسلسلة واضحة للقيادة وتدفّق المعلومات.
8 جنود تحت قائد صغير، ثم 80، ثم مئات، ثم آلاف تحت قيادة مركزية.
🖋️ هذا لم يكن مجرد تنظيم عسكري؛ كان نظامًا لنقل المعلومات.
في الهرم التقليدي، المعلومات تصعد من الأسفل للأعلى، والقرارات تنزل من الأعلى للأسفل.
الإنسان لا يستطيع إدارة عدد كبير جدًا من الناس بفعالية.
⭕وهنا ظهر مفهوم مهم في الإدارة: Span of Control
أي نطاق السيطرة: كم شخص يستطيع القائد متابعتهم فعليًا؟
كل الشركات تقريبًا ما زالت محكومة بهذا القيد.
لا يوجد رقم سحري يصلح لكل مؤسسة؛ فهو يتغيّر بحسب تعقيد العمل وخبرة الفريق. لكن المبدأ ثابت: اتساع النطاق أو ضيقه يغيّر عدد الطبقات المطلوبة.
المشكلة أن هذا القيد يصنع معادلة صعبة❗:
▪️ إذا كبرت الشركة، تحتاج طبقات أكثر. وإذا زادت الطبقات، تباطأ تدفق المعلومات. وإذا تباطأت المعلومات، تباطأت القرارات.
لهذا ترى كثيرًا من الشركات تبدأ سريعة ومرنة، ثم مع النمو تتحول إلى اجتماعات، موافقات، تنسيق، لجان، ومدراء فوق مدراء.
🖋️ النمو يزيد الحجم… لكنه غالبًا يقتل السرعة.
⭕ بعد هزيمة بروسيا أمام نابليون عام 1806، تسارعت إصلاحات قادها شارنهورست وغنايزناو.
البروسيون فهموا أن المؤسسة لا يمكن أن تعتمد على عبقرية شخص واحد في القمة
فأنشأوا ما يشبه الإدارة الوسطى: ضباط لا يقاتلون مباشرة، بل يخططون، يعالجون المعلومات، ينسقون بين الوحدات، ويحضرون القرارات (هيئة الأركان)
⭕ ثم انتقل التفكير العسكري إلى عالم الأعمال، خصوصًا مع السكك الحديدية الأمريكية في القرن التاسع عشر.
شركات السكك الحديدية كانت تدير خطوطًا طويلة وآلاف العاملين، ومع ضعف التنظيم ظهرت الفوضى: تأخير، تصادمات، وضعف تنسيق.
فاحتاجت إلى مخططات تنظيمية واضحة: من يقرر؟ من يرفع لمن؟ ومن المسؤول؟
🖋️ ومن هنا تشكلت ملامح الشركة الحديثة.
⭕ ثم جاء فريدريك تايلور، رائد «الإدارة العلمية»
تايلور لم يخترع الهرم، لكنه حسّن ما يحدث داخله.
قسّم العمل إلى مهام صغيرة، جعل كل شخص متخصصًا في جزء محدد، واعتمد على القياس والأرقام بدل الحدس. هذا رفع الكفاءة، ورسّخ التنظيم الوظيفي: هندسة، مالية، مبيعات، عمليات وغيرها. لكنه زاد أيضًا خطر الجزر المنعزلة.
🖋️ نموذج ممتاز للكفاءة… لكنه ليس دائمًا ممتازًا للسرعة.
⭕ أول اختبار كبير لحدود هذا النموذج كان مشروع مانهاتن في الحرب العالمية الثانية.
كان مشروع مانهاتن مثالًا بارزًا على حدود التقسيم الوظيفي الصارم.
المشروع احتاج فيزيائيين، كيميائيين، مهندسين، خبراء معادن، وعسكريين يعملون بسرعة وسرية هائلة.
أوبنهايمر لم يكتفِ بتقسيم الناس حسب التخصص، بل أعاد تنظيم الفرق حول المشاكل الحرجة.
وهنا ظهرت فكرة قريبة مما نسميه اليوم:
⭕ Cross-functional teams.
بعد الحرب، كبرت الشركات عالميًا، وظهرت فكرة Matrix Organization.
الفكرة: الموظف يتبع وظيفة معينة، لكنه يعمل أيضًا ضمن منتج أو منطقة أو وحدة أعمال.
هذا أعطى الشركات توازنًا بين التخصص والمرونة.
لكن مع الوقت، صار النموذج نفسه مصدر تعقيد:
▪️ مدير وظيفي، مدير منتج، لجان، تنسيق، اجتماعات تنسيق لا تنتهي، تضارب أولويات.
🖋️ كل حل تنظيمي كان يخلق بيروقراطية جديدة.
⭕ شركات التقنية حاولت كسر هذا النموذج.
▪️ شركة Spotify جرّبت squads.
▪️ شركة Zappos جرّبت Holacracy.
▪️ شرمة Valve جرّبت نموذجًا مسطحًا بلا هرم واضح تقريبًا.
كلها محاولات مهمة، لكنها اصطدمت بنفس المشكلة عند التوسع:
▪️من سينسّق الاعتماد بين الفرق؟
▪️من سيكشف التعطّل مبكرًا؟
عند الحجم الكبير، تعود الشركات غالبًا للهرم❗
🖋️ إذن جوهر المشكلة التاريخية هو:
نطاق الإدارة البشري محدود.
إذا قلّلت عدد الأشخاص تحت كل مدير، تحتاج طبقات أكثر.
وإذا زادت الطبقات، صارت المعلومات أبطأ.
🖋️ لمدة 2000 سنة، حاولت المؤسسات الالتفاف على هذه المعادلة… لكنها لم تكسرها.
⭕ وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي.
ليس كمساعد كتابة أو تلخيص فقط، بل كبديل محتمل لوظيفة الهرم نفسه.
⭕ فكرة المقالة: شركة Block مختلفة عن معظم الشركات.
نعطي كل موظف Copilot، فيكتب أسرع، يلخص أسرع، يبرمج أسرع، ويحلل أسرع.
هذا جيد، لكنه يحسّن النظام القديم فقط.
- ماذا لو استبدلنا جزءًا من وظيفة الهرم الإداري؟
- ماذا لو صار AI هو من يفهم ما يحدث، ينسق المعلومات، ويكشف الأولويات؟
▪️في الشركة التقليدية، المدير يعرف ما يحدث في فريقه، ثم يرفع السياق للأعلى، ثم تنزل القرارات للأسفل.
لكن Block شركة Remote-first. بمعنى شركات العمل عن بعد تملك داتا و أرقام ممكن تستفيد منها
▪️ قرارات، نقاشات، كود، تصاميم، خطط، مشاكل، وتقدم العمل.
هذه الآثار الرقمية يمكن أن تتحول إلى ما يسمى: Company World Model
نموذج يفهم الشركة من الداخل.
⭕ النموذج Company World Model
يعني أن لدى الشركة نموذجًا محدثًا باستمرار يفهم:
هذه كانت وظيفة الإدارة الوسطى سابقًا: معرفة ما يحدث، نقله، تنسيقه، وتفسيره.
🖋️ إذا حمل النظام هذه الوظيفة، تقل الحاجة للطبقات التي كانت تنقل المعلومة.
⭕ لكن الشركة لا تحتاج أن تفهم نفسها فقط❗
تحتاج أن تفهم عملاءها كذلك
🖋️ وهنا يقول المقال إن المال من أصدق الإشارات في العالم.
الناس قد يكذبون في الاستبيانات، يتجاهلون الإعلانات، أو يتركون السلة بدون شراء.
لكن عندما يدفعون، يدخرون، يقترضون، يرسلون أموالًا، أو يسددون… فهذه إشارة حقيقية.
🖋️ كل معاملة مالية هي حقيقة عن حياة شخص أو تاجر.
ميزة Block أنها ترى طرفي عدد كبير من المعاملات:
▪️ وبيانات تشغيلية من أعمال التاجر.
هذا يسمح ببناء Customer World Model:
⭕ نموذج يفهم العميل والتاجر والسوق من خلال إشارات مالية حقيقية.
▪️ متى يحتاج التاجر تمويلًا؟
⭕ هنا تبدأ الميزة التراكمية:
▪️ كلما زادت المعاملات، زادت جودة النموذج.
▪️ وكلما تحسن النموذج، استطاع تقديم حلول أفضل.
▪️ وكلما تحسنت الحلول، زادت المعاملات.
▪️ ثم تعود البيانات لتقوي النموذج أكثر.
🖋️ هذه ليست مجرد أتمتة أو خفض تكاليف. هذه ميزة تنافسية مركبة مبنية على فهم يتعمق كل يوم.
⭕ حسب المقال، Block لا تريد أن تكون شركة منتجات تقليدية فقط.
بل نظام مكوّن من 4 طبقات:
▪️ 1) القدرات: مدفوعات، إقراض، بطاقات، خدمات بنكية، BNPL، رواتب.
▪️ 2) نموذج العالم: يفهم الشركة والعميل.
▪️ 3) طبقة الذكاء: تركّب الحل المناسب في الوقت المناسب.
▪️ 4) الواجهات: Square وCash App وAfterpay وغيرها.
🖋️ أهم طبقة هي طبقة الذكاء.
في الشركة التقليدية، مدير المنتج يضع Roadmap بناءً على فرضيات:
نعتقد أن العميل يحتاج كذا.
لكن في نموذج Block، النظام يرى الواقع، يكتشف الحاجة، ثم يركّب الحل من القدرات الموجودة.
🖋️ يعني المنتج لا يبدأ دائمًا من اجتماع وتخمين.
بل من إشارة حقيقية تظهر في بيانات العميل أو التاجر.
مطعم يدخل موسمًا ضعيفًا، وتدفقه النقدي بدأ يضغط عليه.
النظام يعرف هذا النمط لأنه رأى حالات مشابهة.
فيقترح تمويلًا قصير الأجل، ويربط السداد بتدفقات المدفوعات، ويعرض الحل على التاجر قبل أن يبحث هو عن قرض.
🖋️ هنا لم يقل مدير منتج: خلونا نبني منتج جديد.
الواقع نفسه كشف الحاجة، والنظام ركّب الحل.
مستخدم Cash App يتغير نمط إنفاقه بطريقة تشبه شخصًا انتقل إلى مدينة جديدة.
النظام قد يقترح إعداد إيداع راتب جديد، بطاقة بمزايا تناسب منطقته، وهدف ادخار يناسب دخله الجديد.
🖋️ الفكرة هنا أن الواجهة ليست القيمة كلها.
القيمة الحقيقية في النموذج والذكاء الذي يعرف:
⭕ وهنا تتغير خارطة الطريق بالكامل.
في الشركات التقليدية، Roadmap تأتي من فرضيات البشر.
أما في هذا النموذج، عندما يحاول الذكاء تركيب حل ولا يجد القدرة المطلوبة، فهذا الفشل نفسه يصبح إشارة لما يجب بناؤه.
▪️ احتياج العميل يظهر داخل النظام.
▪️ إذا لم تكن القدرة موجودة، تظهر كفجوة.
▪️ والفجوة تصبح الـ Backlog.
🖋️ من Product-led roadmap إلى Reality-generated roadmap.
⭕ طيب إذا كان النظام يفهم الشركة، ويفهم العميل، وينسق العمل، ويركب الحلول… فما دور البشر؟
🖋️ هنا المقال يقلب الصورة:
في الشركة القديمة، الذكاء موزع بين الناس، والهرم ينقله.
في النموذج الجديد، جزء كبير من الذكاء يعيش في النظام.
والبشر يصبحون على الحافة:
حيث يلامس النظام الواقع، العميل، الثقافة، الثقة، والأخلاق.
⭕ لذلك يقترح المقال 3 أدوار بدل الإدارة الوسطى التقليدية:
الأول: Individual Contributors: متخصصون يبنون القدرات والنماذج والواجهات.
الثاني: DRI: شخص مسؤول مباشرة عن مشكلة أو نتيجة، ويستطيع سحب موارد من فرق مختلفة.
الثالث: Player-Coaches: يبنون بأيديهم، وفي نفس الوقت يطورون الناس حولهم.
🖋️ المدير كناقل معلومات يصبح أقل ضرورة.
🖋️ الشركات تتحرك بسرعة أو ببطء حسب تدفق المعلومات داخلها.
لأكثر من 2000 سنة، لم يكن لدينا بديل حقيقي عن الهرم: طبقات تنقل المعلومات وتنسق القرارات.
لكن إذا استطاع AI فهم ما يحدث داخل الشركة وخارجها، فقد يتغير شكل الشركة نفسه.
▪️ هل تستخدم AI لتقليل التكاليف فقط؟
▪️ أم تبني حوله ميزة تنافسية تتراكم كل يوم؟
تعليقات
إرسال تعليق